ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي ؟ متى يُكافأ الادعاء وتُقصى الكفاءة

ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي – ثمة مفارقة تتكرر في عالم العمل: موظف يعرف تفاصيل مهنته، يحل المشكلات التي يعجز عنها غيره، ويحمي مؤسسته من أزمات قد لا تعلم أصلاً أنها كانت على وشك الوقوع. وفي المقابل، موظف آخر يتقن الظهور في الاجتماعات، وصياغة التقارير، والتحدث باسم الفريق، ونسبة النجاحات الجماعية إلى قدراته القيادية.

وقت القراءة المتوقع: 20 دقيقة

عندما يحين موعد الترقيات، يتقدم الثاني، بينما يظل الأول في مكانه، وربما يجد نفسه يوماً تحت إدارته.

لكن هذه ليست سوى نصف المشكلة.

فخارج المؤسسة، يوجد مشهد لا يقل إثارة للقلق: مهني صاحب خبرة حقيقية يرسل سيرته الذاتية إلى عشرات الشركات دون أن يحصل على فرصة لإجراء مقابلة، بينما يحظى مرشح آخر باهتمام أكبر بفضل ملف مكتظ بالمصطلحات الرنانة، والشهادات القصيرة، والألقاب الفضفاضة، والإنجازات المصاغة بلغة تسويقية يصعب التحقق من مضمونها.

الأول يعرف ما يستطيع فعله، ويتردد في ادعاء ما لا يستطيع. أما الثاني، فيعرف كيف يصف نفسه بالطريقة التي تريد أن تسمعها المؤسسات، أو تقرأها أنظمة التوظيف.

والمفارقة أن المشكلة قد تبدأ قبل أن يلتقي أي منهما بمسؤول التوظيف.

هنا يبرز سؤال يتجاوز العدالة الفردية:

ماذا يحدث عندما تصبح القدرة على ادعاء الكفاءة شرطاً للحصول على فرصة إثبات الكفاءة نفسها؟

إننا أمام خلل أعمق من مجرد محاباة موظف أو ظلم آخر. فالخلل يمتد من ثقافة المنصات المهنية إلى نظم الفرز والتوظيف، ثم إلى تقييم الأداء والترقيات داخل المؤسسات.

1. اقتصاديات الانطباع: لماذا يتفوق ما يُرى على ما يُنجز؟

ليس كل إنجاز مرئياً، وليس كل ما يلفت الانتباه إنجازاً.

تخيل مهندساً يمضي ليلة كاملة في إصلاح خلل تقني يهدد استمرارية مشروع مهم:

  • يكتشف السبب الجذري
  • يعالج المشكلة
  • يمنع تكرارها

وفي صباح اليوم التالي، يقدم زميله عرضاً أنيقاً أمام الإدارة حول “نجاح الفريق في إدارة الأزمة”، فيصبح اسمه الأكثر ارتباطاً بذلك النجاح.

أو تخيل موظفاً يقضي أشهراً في:

  • بناء علاقة مع عميل استراتيجي
  • فهم احتياجاته
  • حل اعتراضاته

وعندما تقترب الصفقة من نهايتها، يظهر شخص آخر في اجتماع التوقيع، ليصبح تدريجياً الوجه الذي ارتبط بالإنجاز.

تكمن المشكلة في أن العمل الحقيقي غالباً ما يكون عملية طويلة ومعقدة، بينما الانطباع حدث سريع وسهل التذكر.

والأصعب أن بعض أهم أشكال الكفاءة وقائية بطبيعتها فالمشكلة التي منعتها لا يراها أحد، والخسارة التي تجنبتها لا تظهر في التقارير، والقرار الخاطئ الذي صححته قبل تنفيذه لا يتحول بالضرورة إلى قصة نجاح تستحق الاحتفال.

أما العرض التقديمي، والمنشور المؤثر، والشعار الجذاب، فهي جميعاً قابلة للمشاهدة والمشاركة والتذكر.

ومن هنا ينشأ ما يمكن تسميته «العمى التنظيمي»: أن ترى المؤسسة بسهولة ما ليس بالضرورة الأكثر قيمة، وتعجز عن إدراك ما يقوم عليه نجاحها الفعلي.

حين يصبح الظهور أسهل قياساً من الإنجاز، يصبح الظهور منافساً للإنجاز نفسه.

2. ظاهرة «كرينج لينكدإن»: عندما يصبح الادعاء نموذجاً للنجاح المهني

لم تعد صناعة الصورة المهنية مقتصرة على المكاتب والاجتماعات. فقد منحت المنصات المهنية، وعلى رأسها لينكدإن، هذه الظاهرة مساحة أوسع وجمهوراً أكبر.

كان يفترض أن تكون هذه المنصات وسيلة للتواصل وتبادل المعرفة وعرض الخبرات والفرص. وهي تؤدي هذه الوظائف بالفعل.

الكرينج

لكن جانباً من ثقافتها تحول إلى ما يسميه مستخدمو الإنترنت «كرينج لينكدإن» (LinkedIn Cringe):

ذلك النمط من المنشورات التي تحول الأحداث اليومية البسيطة إلى قصص بطولية، وتغلف الادعاءات العادية بلغة قيادية ملحمية.

قد يتحول:

  • اجتماع روتيني إلى «جلسة استراتيجية لإعادة تعريف مستقبل المؤسسة»
  • إنهاء دورة تدريبية قصيرة إلى «محطة مفصلية في رحلة القيادة والتحول»
  • المشاركة المحدودة في مشروع إلى إعلان عن «قيادة تحول استراتيجي أحدث أثراً غير مسبوق».

بل إن بعض المنشورات باتت تتعامل مع تفاصيل الحياة العادية بوصفها دروساً استثنائية في الإدارة والقيادة، حتى يبدو أن كل فنجان قهوة، وكل تأخير عن موعد، وكل موقف عابر يحمل فلسفة عميقة في النجاح المؤسسي.

ليست المشكلة في مشاركة الإنجازات أو الاحتفال بالتعلم. المشكلة في التضخم المتعمد للفارق بين ما حدث فعلاً وما يُدّعى أنه حدث.

ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي
ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي

وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: الادعاء الكبير يسهل تداوله أكثر من الإنجاز المتواضع والدقيق.

ادعاءات مصقولة بعناية

عبارة مثل «ساهمت في تحسين إجراءات تشغيلية ضمن فريق متعدد التخصصات» قد تكون وصفاً أميناً لعمل مهم. لكن عبارة «قُدت تحولاً استراتيجياً أعاد تعريف الكفاءة التشغيلية» تبدو أكثر إثارة، حتى عندما لا تستند إلى مساهمة مماثلة.

وعندما تكافئ بيئة المنصة هذه اللغة بالانتباه والإعجاب والتفاعل، فقد تمنح أصحابها رأس مال اجتماعياً ومهنياً لا يعكس دائماً حجم خبراتهم الفعلية.

وقد تناولت دراسة منشورة عام 2025 في مجلة Social Sciences & Humanities Open استراتيجيات تقديم الذات والثناء عليها في عينة من 262 حساباً مهنياً على لينكدإن، موضحةً كيف يوظف المستخدمون أساليب لغوية متعددة لتعزيز صورتهم المهنية والحصول على الاعتراف الاجتماعي.

لا تثبت هذه الدراسة أن مستخدمي لينكدإن يختلقون إنجازاتهم، لكنها تبرز أن تقديم الذات على المنصات المهنية ليس مجرد نقل محايد للمعلومات، بل عملية انتقائية لبناء صورة معينة أمام الآخرين.

والسؤال هنا: ماذا يحدث عندما تتحول تلك الصورة إلى قرينة على الاستحقاق الوظيفي؟

الخطورة ليست في أن يدّعي شخص أنه خبير، بل في أن يصبح تكرار الادعاء وسيلة أكثر فعالية للحصول على الاعتراف من البرهنة على الخبرة.

3. تضخم الشهادات: عندما يصبح جمع الأدلة الشكلية بديلاً عن اكتساب المهارة

لم تكن الشهادات المهنية والدورات التدريبية يوماً مشكلة في ذاتها. فالتعلم المستمر ضرورة، وبعض الاعتمادات المهنية تتطلب دراسة واختبارات وممارسة فعلية، ويمكن أن تقدم دليلاً ذا قيمة على امتلاك مهارة محددة.

لكن المشكلة تظهر عندما تُعامل الشهادات جميعها كما لو كانت متساوية في القيمة، بغض النظر عن عمق محتواها أو مستوى تقييمها أو علاقتها بالعمل الفعلي.

فقد يستطيع شخص أن يملأ سيرته الذاتية بعشرات شهادات الحضور والإتمام، بينما يكتفي آخر بذكر خبرات تطبيقية عميقة اكتسبها خلال سنوات من الممارسة.

وحين تعتمد عملية الفرز على عدد الشهادات أو وجود مسمياتها، قد يبدو الأول أكثر تأهيلاً على الورق، رغم أن الثاني ربما يمتلك قدرة أعلى على إنجاز العمل.

ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي
ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي

هنا يتجلى ما يمكن تسميته «تضخم المؤهلات الشكلية»: زيادة عدد الإشارات التي تدّعي تمثيل الكفاءة دون زيادة موازية في الكفاءة الفعلية.

وقد يتطور الأمر إلى ما يشبه السباق العبثي. فإذا كانت شهادة واحدة تحسن مظهر السيرة الذاتية، فلماذا لا نضيف عشراً؟ وإذا كانت كلمة «متخصص» تجذب الانتباه، فلماذا لا نستبدلها بـ«خبير» أو «قائد فكري» أو «استراتيجي»؟

وبمرور الوقت، قد يجد المهني الجاد نفسه أمام خيار غير مريح: إما أن يخصص وقتاً متزايداً لصناعة صورة مهنية تنافس الصور المحيطة، وإما أن يقبل بأن يبدو أقل تأهيلاً في أعين من يقيّمون سيرته دون اختبار مباشر لمهاراته.

من الضروري هنا التفريق بين الشهادة التي تثبت مهارة يمكن التحقق منها، والشهادة التي تثبت مجرد حضور نشاط تعليمي.

فعدد الدورات التي أكملها الشخص لا يخبرنا بالضرورة عما يستطيع إنجازه عندما يواجه مشكلة حقيقية.

وإذا كانت المؤسسات لا تميز بين هذين النوعين، فإنها لا تشجع التعلم العميق بقدر ما تشجع تراكم الشواهد الشكلية عليه.

4. أنظمة ATS: عندما تتحول معايير التوظيف إلى بوابة للإقصاء

هنا تنتقل المشكلة إلى مستوى أكثر تعقيداً.

تستخدم مؤسسات كثيرة أنظمة تتبّع المتقدمين للوظائف، المعروفة اختصاراً باسم ATS أو Applicant Tracking Systems، لتنظيم طلبات التوظيف، وحفظ السير الذاتية، وإدارة مراحل الاختيار.

وقد تتضمن هذه الأنظمة، أو ترتبط بها، أدوات للبحث والفرز والمطابقة والترتيب وفق متطلبات يحددها أصحاب العمل. وبعضها يستخدم تقنيات ذكاء اصطناعي، بينما يعتمد بعضها الآخر على قواعد تقليدية أو مراجعة بشرية.

وليست جميعها أنظمة ترفض السير الذاتية تلقائياً بسبب غياب كلمات مفتاحية، فهذه صورة مبسطة وغير دقيقة لطبيعة عملها.

لكن الخطر الحقيقي لا يتوقف على صدور قرار رفض آلي.

يكفي أحياناً ألا يظهر المرشح ضمن القائمة التي سيبدأ مسؤول التوظيف بمراجعتها.

مثال بسيط

تخيل مرشحين يتقدمان لوظيفة تقنية.

الأول مارس العمل لسنوات، وحل مشكلات معقدة، وشارك في بناء أنظمة فعلية. لكنه كتب سيرته بلغة مباشرة ومقتضبة، ولم يسرد جميع أسماء الأدوات والمصطلحات التي يعرفها، لأنه يفترض أن المقابلة الفنية هي المكان المناسب لاختبار قدراته.

هذا المرشح قد يكون أصلا مصابا بمتلازمة المحتال، ويواجه تحديات حقيقية في الثقة بنفسه.

تعرف عبر هذا الرابط على ماهي متلازمة المحتال.

أما الثاني، فيعرف كيف يحلل إعلان الوظيفة، ويعيد صياغة سيرته باستخدام مفرداته، ويبرز شهاداته ودوراته، ويستخدم أوصافاً واسعة لخبرات قد تكون محدودة.

إذا كانت معايير البحث أو المطابقة تعتمد بصورة مفرطة على الصياغات المعلنة، فقد يحصل الثاني على أفضلية في الظهور، حتى إن كان الأول أكثر قدرة على أداء العمل.

ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي
ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي

لا يعني ذلك أن إدراج الكلمات المناسبة سلوك غير مشروع. فمن الطبيعي أن يصف المرشح خبرته بالمصطلحات المهنية الصحيحة. لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح التشابه بين النصوص أهم من الأدلة على امتلاك المهارة.

فالخوارزمية التي تقرأ عبارة «إدارة المشاريع» لا تستطيع، بمجرد العثور عليها، أن تعرف ما إذا كان صاحب السيرة قد قاد مشروعاً معقداً بالفعل، أم أنه أكمل دورة تعريفية بالموضوع، أم أنه أضاف العبارة لأنها وردت في الإعلان.

الجدار المؤسسي

وتزداد المشكلة عندما تضع المؤسسات قوائم طويلة من الاشتراطات، بعضها غير ضروري لأداء الوظيفة، ثم تستخدمها في تضييق دائرة المرشحين.

وقد ناقش تقرير Hidden Workers: Untapped Talent الصادر عن كلية هارفارد للأعمال عام 2021 كيف يمكن لآليات التوظيف ومعايير المطابقة الجامدة أن تستبعد أشخاصاً يمتلكون قدرات مناسبة للعمل، لكن ملفاتهم لا تتطابق مع الصورة المحددة سلفاً للمرشح المثالي.

وهنا تظهر مفارقة قاسية:

قد تنفق المؤسسة موارد كبيرة للبحث عن الكفاءات، بينما تستخدم في الوقت نفسه معايير تمنع بعض تلك الكفاءات من الوصول إلى المقابلة أصلاً.

والأهم أن هذه ليست مشكلة تقنية محضة. فالأنظمة لا تبتكر غالباً معايير الاختيار من فراغ.

البشر هم من يحددون المتطلبات ويختارون أدوات الفرز ويقررون كيفية استخدامها.

وعندما تكون المعايير سطحية، فإن أتمتتها لا تجعلها أكثر عدالة بل قد تجعل تطبيقها أسرع وأوسع نطاقاً.

5. أتمتة الادعاءات: عندما يكتب الذكاء الاصطناعي السيرة ويقيّمها ذكاء اصطناعي آخر

أضاف انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي طبقة جديدة إلى هذا المشهد.

فأصبح بالإمكان تحويل وصف وظيفي إلى سيرة ذاتية مصاغة بعناية، ورسالة تحفيزية مليئة بمفردات الإعلان، وملخص مهني يبدو مصمماً خصيصاً لمتطلبات الوظيفة.

وهذا الاستخدام ليس سلبياً بالضرورة فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد المرشح الصادق على تحسين لغته وتنظيم خبراته والتعبير عنها بوضوح.

لكن الأدوات نفسها تستطيع أيضاً تضخيم الإنجازات، وصياغة مساهمات محدودة وكأنها تحولات كبرى، وإضفاء مظهر احترافي على ادعاءات يصعب التثبت منها بمجرد قراءة النص.

وهكذا قد ندخل في حلقة غريبة: يستخدم المرشح الذكاء الاصطناعي لإنتاج وصف أكثر إقناعاً لكفاءته، وتستخدم المؤسسة أدوات رقمية أو نماذج ذكاء اصطناعي لفرز هذا الوصف وترتيبه.

وبين الطرفين، قد تصبح اللغة المصقولة أكثر حضوراً من الأدلة العملية.

كلما زادت قدرة المرشحين على إنتاج ملفات متشابهة في الجودة الشكلية، ازدادت صعوبة التمييز بين الخبرات الحقيقية والمبالغات. وكلما ازدادت طلبات التوظيف، تعاظم إغراء المؤسسات بالاعتماد على أدوات الفرز لتخفيف العبء.

فتنشأ دائرة تغذي نفسها: المزيد من الطلبات المحسّنة آلياً يدفع إلى المزيد من الفرز الآلي، والمزيد من الفرز يشجع على مزيد من تحسين الطلبات لتناسب معاييره.

ومن هنا تصبح المشكلة أكبر من مجرد كتابة سيرة ذاتية جيدة.

قد نجد أنفسنا أمام سوق تتنافس فيه أنظمة توليد الانطباعات مع أنظمة تصنيف الانطباعات، بينما تظل الكفاءة الفعلية خارج نطاق الاختبار.

وهذا لا يعني أن الآلات عاجزة دائماً عن المساعدة في تقييم المهارات، وإنما يعني أن جودة الأداة لا يمكن أن تتجاوز جودة الأدلة والمعايير التي تعتمد عليها.

إذا كنا نقيس الادعاءات، فإن أتمتة القياس لن تحولها تلقائياً إلى حقائق.

6. ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي – مأزق المرشح الصادق: هل أصبحت النزاهة عائقاً تنافسياً؟

هذه ربما أكثر نتائج المنظومة إزعاجاً.

فالمهني الذي يدرك حدود خبرته يميل أحياناً إلى استخدام أوصاف دقيقة ومتحفظة. لا يصف نفسه بأنه خبير عالمي لمجرد مشاركته في مشروع دولي، ولا يدّعي قيادة فريق لأنه نسق اجتماعاً، ولا يعتبر إنهاء دورة قصيرة دليلاً كافياً على امتلاك تخصص كامل.

أما من يتعامل مع السيرة الذاتية باعتبارها إعلاناً تجارياً، فقد يجد مساحة أوسع للمبالغة.

وفي بيئة لا تتحقق من الادعاءات مبكراً، يمكن أن تتحول الدقة إلى ضعف في المنافسة الشكلية، بينما تبدو المبالغة نوعاً من الثقة والطموح.

ليس معنى ذلك أن المرشح الصادق محكوم عليه بالفشل، أو أن كل مبالغ في وصف مهاراته سيحصل على الوظيفة. لكن النظام قد يخلق حوافز تدفع بعض المرشحين إلى تجاوز ما يستطيعون إثباته.

وهنا يظهر خلل أخلاقي واقتصادي في الوقت نفسه.

فحين يرى المرشحون أن الأوصاف المتضخمة تحظى باهتمام أكبر من الأوصاف الدقيقة، قد يشعرون بأن الالتزام بالصدق يعرضهم لخسارة فرصة الوصول إلى مرحلة التقييم.

وتصبح المنافسة غير المتكافئة مشكلة حتى بالنسبة إلى أصحاب الكفاءة، إذ يضطرون إلى استهلاك وقت وجهد في تكييف صورتهم مع معايير الشكل، بدلاً من استثمار ذلك كله في تطوير مهاراتهم.

المطلوب هنا ليس أن يتجاهل المرشح أهمية التواصل أو كتابة سيرة واضحة فالقدرة على عرض الخبرة بدقة مهارة مهنية مشروعة.

لكن هناك فرقاً أساسياً بين أن تجعل كفاءتك الحقيقية مرئية، وأن تجعل نفسك تبدو أكثر كفاءة مما أنت عليه.

المشكلة أن بعض أنظمة الاختيار لا تنجح دائماً في التمييز بين الأمرين.

7. من بوابة التوظيف إلى لجنة الترقية: الخلل نفسه بأدوات مختلفة

قد يظن البعض أن المبالغة تنتهي بمجرد حصول الموظف على الوظيفة، فهناك، على الأقل، ستظهر قدراته الحقيقية خلال العمل.

لكن ذلك ليس مضموناً.

فداخل المؤسسة، تستمر مشكلة التمييز بين الانطباع والأثر، وإن اتخذت شكلاً مختلفاً.

يجد مسؤولو الموارد البشرية والمديرون أنفسهم أمام مهمة تقييم أشخاص يعملون في تخصصات متنوعة، لا يمتلك المقيم بالضرورة المعرفة الفنية اللازمة للحكم على تفاصيلها.

وهذا طبيعي فليس مطلوباً من مسؤول الموارد البشرية أن يكون مبرمجاً ومهندساً ومحاسباً ومحامياً في الوقت نفسه.

إنما المشكلة أن تتحول محدودية المعرفة الفنية إلى اعتماد مفرط على المؤشرات الظاهرية: الثقة في الحديث، والحضور في الاجتماعات، وكثرة التقارير، والشهادات، والعلاقات الجيدة مع أصحاب القرار.

في هذه البيئة، قد يحصل الموظف البارع في تقديم نفسه على تقدير لا يتناسب مع حجم مساهمته، بينما يجد المحترف المنشغل بمعالجة المشكلات الحقيقية صعوبة في جعل أثره مرئياً.

ولا يقتصر الخلل على الموارد البشرية. فالمدير الفني نفسه قد يقع في تحيزات مماثلة، خصوصاً عندما لا توجد آليات واضحة لتوثيق الإنجازات والتحقق من نسبتها إلى أصحابها.

ولهذا ينبغي ألا تتخذ المؤسسة قرار الترقية انطلاقاً من رواية طرف واحد، ولا اعتماداً على الانطباعات التي تراكمت عبر الاجتماعات والتقارير.

فالمهارة في عرض الإنجاز لا تعني بالضرورة امتلاكه، كما أن ضعف الظهور لا يدل على ضعف الكفاءة.

8. ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي – الاحتكار السردي: عندما يصبح من يروي الإنجاز مالكاً له

في المشاريع المشتركة، ثمة من ينجز العمل، ومن ينسقه، ومن يتحدث عنه أمام الإدارة. وقد تكون لهذه الأدوار جميعاً قيمة حقيقية.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتمكن شخص واحد من احتكار رواية الإنجاز، بحيث تختلط مساهمته بمساهمات الفريق، ثم تتحول مع مرور الوقت إلى ملكية معنوية شبه حصرية.

ليس ضرورياً أن يقول إنه نفذ كل شيء. قد تكفي صياغات مثل «لقد وجهت الفريق»، أو «وضعت الرؤية»، أو «قدت عملية تجاوز الأزمة»، دون إشارة واضحة إلى من اكتشف الحلول ونفذها وتحمل أعباءها.

ويصبح هذا السلوك أكثر تأثيراً عندما تكون الإدارة بعيدة عن التفاصيل الفنية، أو عندما لا توجد سجلات واضحة للأدوار والمسؤوليات.

فإذا كانت التقارير تمر جميعها عبر شخص واحد، فقد يصبح هو المرجع الأساسي لتفسير النجاح والفشل.

هنا يتحول التحكم في المعلومات إلى مصدر للقوة المهنية.

والتفرقة الضرورية هي بين القيادة الحقيقية، التي تنظم العمل وتتحمل المسؤولية وتمنح الآخرين التقدير، وبين الاستحواذ السردي، الذي يجعل مساهمات الفريق تختفي وراء شخص يتحدث باسمه.

النتائج لا تتكلم عن نفسها دائماً، ومن يملك روايتها قد يمتلك جزءاً من سلطة توزيع الفضل.

ولذلك لا يكفي أن تطلب المؤسسة من فرقها التعاون، ثم تعتمد في الترقية على تقارير لا توضح مساهمات أفرادها.

9. ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي – خطأ الترقية: لماذا لا يصنع أفضل موظف بالضرورة أفضل مدير؟

هناك معضلة إضافية ينبغي عدم إغفالها.

فحتى إذا امتلكت المؤسسة القدرة على تحديد أفضل الموظفين من حيث الإنجاز الفردي، فإن ترقيتهم تلقائياً إلى المناصب القيادية ليست بالضرورة القرار الصحيح.

فالمهارات المطلوبة لإتقان وظيفة معينة قد تختلف عن المهارات اللازمة لقيادة من يمارسونها.

وقد تناولت دراسة بعنوان Promotions and the Peter Principle، نشرها آلان بنسون ودانييل لي وكيلي شو عام 2019 في مجلة The Quarterly Journal of Economics، هذه الإشكالية عبر تحليل بيانات العاملين في المبيعات داخل 131 شركة أمريكية.

وجد الباحثون أن الأداء الفردي المرتفع كان عاملاً مهماً في قرارات الترقية، رغم أنه لم يكن مؤشراً موثوقاً بالقدر نفسه على النجاح الإداري اللاحق.

وأظهرت تقديراتهم أن سياسة بديلة تعطي وزناً أكبر لمؤشرات القدرة الإدارية كان يمكن أن تحقق تحسناً بنحو 30% في مقياس جودة الإدارة المستخدم في الدراسة.

لا تتناول هذه الدراسة سرقة الإنجازات أو المبالغة في السير الذاتية، لكنها تكشف جانباً مكملاً للمشكلة: المؤسسات قد تستخدم مؤشراً صحيحاً للكفاءة، ولكن في غير موضعه.

فكما أن جودة التسويق الذاتي لا تضمن الكفاءة الفنية، فإن التفوق الفني لا يضمن المهارة القيادية.

ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي : أفضل موظف ليس بالضرورة مديرا مستقبليا ممتازا

وعليه، لا تتحقق العدالة بمجرد ترقية الموظف الأكثر إنتاجية، بل بتحديد الكفاءة المطلوبة للدور الجديد، ثم اختبارها بالأدوات المناسبة.

وهنا تكمن إحدى أعقد مسؤوليات الموارد البشرية والإدارة: أن تميز بين ما يستحق المكافأة، وما يصلح دليلاً على الاستعداد للقيادة.

تعرف إلى ملخص كتاب 21 قانونا لا يقبل الجدل في القيادة.

10. ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي – عندما تصنع المؤسسة سلوكياتها التي تشتكي منها

في كتابه نظام التفاهة، يناقش الفيلسوف الكندي آلان دونو كيف يمكن للأنظمة المؤسسية أن تمنح الامتثال للمعايير السائدة قيمة أعلى من الاستقلال الفكري والتميز الحقيقي.

وتقودنا هذه الفكرة إلى سؤال جوهري: هل المشكلة في الأشخاص الذين يبالغون في تسويق أنفسهم، أم في الأنظمة التي تجعل المبالغة سلوكاً مجزياً؟

من السهل إدانة الموظف الذي ينسب لنفسه نجاح الآخرين، أو المرشح الذي يملأ سيرته بعبارات متضخمة، أو مستخدم لينكدإن الذي يحول تفاصيل حياته إلى قصص بطولية عن القيادة.

لكن لماذا يجد بعض هؤلاء جمهوراً مستعداً لتصديقهم؟ ولماذا تنجح الادعاءات أحياناً في تجاوز مراحل التقييم؟

لأن المؤسسات قد تطلب أدلة شكلية يسهل تقديمها، بينما تهمل الأدلة العملية التي تتطلب وقتاً وجهداً للتحقق منها.

ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي

وقد تطلب شهادات كثيرة، دون تمييز كافٍ بين قيمتها. وتطلب خبرات متنوعة، دون اختبار عمقها. وتبحث عن «الحضور القيادي»، دون أن تحدد كيف يتجلى في اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية وتطوير الآخرين.

وحينها لا تعود المبالغة مجرد انحراف فردي، بل تصبح استجابة متوقعة لحوافز غير متوازنة.

فإذا اكتشف المرشح أن الكلمات الرنانة تحسن فرص ظهوره، فقد يغريه الإكثار منها. وإذا رأى الموظف أن من يقدم الإنجاز يحظى بتقدير أكبر ممن صنعه، فقد يبدأ في استثمار وقته في إدارة الانطباعات.

وهكذا قد تنتج المؤسسة، دون قصد، السلوكيات التي تعاني من آثارها لاحقاً.

فالأنظمة لا تختار الأشخاص فحسب، بل تشكل أيضاً السلوكيات التي يتعلم الأشخاص أنها ضرورية للنجاح داخلها.

11. ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي – نزيف الكفاءات: الخسارة التي لا تظهر في تقارير الموارد البشرية

عندما يرى موظف صاحب خبرة أن سنوات عمله لا تنعكس على فرص تقدمه، فإن الضرر لا يقتصر على شعوره بالظلم.

فقد يتراجع استعداده للمبادرة، أو يتوقف عن تحمل مسؤوليات إضافية، أو يبدأ البحث عن فرصة خارج المؤسسة.

وإذا غادر، فإن خسارة المؤسسة قد تتجاوز مهاراته المسجلة في الوصف الوظيفي.

فالمحترفون أصحاب الخبرة يمتلكون غالباً معرفة تراكمية يصعب نقلها كاملة إلى الوثائق والإجراءات. يعرفون أسباب القرارات القديمة، ومواطن الضعف في الأنظمة، والتفاصيل التي تمنع المشكلات الصغيرة من التحول إلى أزمات.

وهذا ما يعرف في أدبيات الإدارة بـ«المعرفة الضمنية» (Tacit Knowledge).

ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي
ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي

وعندما تفقد المؤسسة هؤلاء الأشخاص، قد تكتشف متأخرة أن بعض أهم عناصر كفاءتها لم يكن مسجلاً في تقاريرها.

لكن الخسارة تبدأ قبل ذلك، عند بوابة التوظيف.

فكم من مرشح قادر لم تُتح له مقابلة لأنه لم يمتلك ملفاً مكتظاً بالمصطلحات المناسبة؟ وكم من صاحب خبرة غير تقليدية استُبعد لأن سيرته لا تطابق قالباً محدداً؟ وكم من موظف كفء لم يتقدم وظيفياً لأنه لم يعرف كيف يحول مساهماته إلى رواية تحظى بانتباه الإدارة؟

لا توجد أرقام عامة دقيقة يمكن أن تجيب عن هذه الأسئلة في كل سوق وكل قطاع. لكن مجرد وجود هذه الاحتمالات يجعل مراجعة أنظمة الاختيار ضرورة إدارية، لا مسألة مجاملة أخلاقية.

فالمؤسسة قد تخسر الكفاءة بطريقتين: أن تستبعدها قبل أن توظفها، أو أن تدفعها إلى الرحيل بعد أن تعتمد عليها.

12. كيف نخرج من اقتصاد الادعاءات إلى اقتصاد الكفاءة؟

لا يكمن الحل في مطالبة المحترفين بالصمت، ولا في محاربة التواصل المهني، ولا في إلغاء الشهادات أو أنظمة التوظيف الرقمية.

بل يبدأ بإعادة التمييز بين الإشارة إلى الكفاءة والدليل عليها.

على مستوى المرشح

على مستوى المرشح والموظف، ينبغي أن تصبح القدرة على توثيق الخبرة والتعبير عنها جزءاً من الممارسة المهنية نفسها. فمن المشروع استخدام المصطلحات الدقيقة الواردة في إعلان الوظيفة عندما تعكس مهارات حقيقية، وعرض النتائج القابلة للقياس، وتوضيح دور الفرد في المشاريع المشتركة.

والتواضع المهني لا يعني إخفاء الإنجازات، كما أن النزاهة لا تتطلب كتابة سيرة ذاتية فقيرة في المعلومات.

لكن يجب الحفاظ على الحد الفاصل بين توضيح الخبرة وتضخيمها:

  • الأول يجعل الكفاءة مرئية
  • الثاني يخلق صورة قد لا تصمد أمام الاختبار.

على مستوى المؤسسة

وعلى مستوى الموارد البشرية والمؤسسات، تبدأ المعالجة بمراجعة معايير التوظيف والترقية نفسها:

  • تقليص الاشتراطات الشكلية التي لا ترتبط مباشرة بمتطلبات الوظيفة.
  • تقييم جودة الشهادات وارتباطها بالمهارات، بدلاً من الاكتفاء بعددها.
  • استخدام اختبارات عملية مناسبة للوظيفة ومحددة المدة، تتيح للمرشح إظهار ما يستطيع فعله.
  • مراجعة إعدادات أنظمة الفرز والبحث والتحقق من أثرها على وصول المرشحين المؤهلين، مع إبقاء القرار خاضعاً للمساءلة البشرية.
  • إشراك المختصين الفنيين في تقييم الخبرات التي لا يستطيع غير المتخصص تقديرها بدقة.
  • توثيق مساهمات أعضاء الفرق، وعدم الاكتفاء بتقارير المسؤول عن تقديم المشروع.
  • الفصل بين مسارات التقدم الفني والمسارات الإدارية، حتى لا تصبح الإدارة الطريق الوحيد لمكافأة الخبراء.
  • تقييم أثر قرارات الترقية بعد تنفيذها، وليس الاكتفاء بجودة العروض التي قدمها المرشحون للمناصب.
ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي
ترقية مستحقة أم تسلق وظيفي

ولا تقل مسؤولية المنصات المهنية أهمية عن ذلك، فتعزيز وسائل إثبات الخبرات والإنجازات، وتشجيع المحتوى المهني ذي القيمة، قد يساعدان في الحد من الفجوة بين السمعة الرقمية والمساهمة الحقيقية.

الذكاء الاصطناعي

أما استخدام الذكاء الاصطناعي في التوظيف، فينبغي أن يوجه نحو تحسين فهم الخبرات والتحقق من الملاءمة، لا مجرد تسريع مطابقة الكلمات والألقاب.

والسؤال الذي يجب أن تطرحه كل مؤسسة ليس: «كيف نجعل فرز السير الذاتية أسرع؟» فقط، بل أيضاً: «كيف نتأكد أن معاييرنا لا تستبعد الأشخاص الذين نبحث عنهم؟»

خاتمة: عندما يصبح الصدق أقل قابلية للتسويق

ليست كل ترقية ظالمة، ولا كل شخصية بارزة متسلقة، ولا كل شهادة قصيرة بلا قيمة، ولا كل استخدام للذكاء الاصطناعي في التوظيف انحيازاً ضد الكفاءة.

لكن وراء هذه التحفظات حقيقة تستحق أن تؤخذ بجدية: قد تسمح بعض آليات سوق العمل بأن تتقدم الصورة المهنية على القدرة الفعلية، خصوصاً حين تكون معايير التقييم بعيدة عن الاختبار العملي.

لقد كان التحدي التقليدي للموظف الكفء أن يجعل إنجازه مرئياً داخل المؤسسة.

أما اليوم، فقد أصبح التحدي يبدأ قبل ذلك بكثير: عليه أولاً أن يجعل سيرته الذاتية قابلة للاكتشاف وسط آلاف الملفات، وأن يعرض خبراته بلغة تنافس الادعاءات المتضخمة، وأن يثبت جدارته أمام أنظمة قد تعتمد على إشارات غير كاملة، ثم أن يحافظ على حقه في الاعتراف والترقية بعد التحاقه بالعمل.

وفي كل مرحلة، قد يجد نفسه أمام المنافسة نفسها: شخص يجيد صناعة الانطباع، ونظام لا يملك دائماً الأدوات الكافية للتمييز بين الانطباع والواقع.

والكارثة ليست أن يتفوق صاحب الادعاء على صاحب الكفاءة في بعض الحالات، فذلك حدث بأشكال مختلفة عبر تاريخ المؤسسات.

الكارثة أن تتحول آليات التوظيف والترقية إلى منظومة تجعل المبالغة أكثر جدوى من الدقة، وتجعل صاحب الخبرة الحقيقية يشعر بأنه مضطر إلى تجميل الحقيقة حتى يحصل على فرصة لإثباتها.

حينها لا تكون المؤسسة قد أخطأت في اختيار مرشح أو ترقية موظف فحسب، بل تكون قد ساهمت في بناء سوق يضعف فيه الارتباط بين الكفاءة والمكافأة.

وإذا استمر هذا المسار، فقد نجد أنفسنا أمام عالم مهني تزداد فيه أعداد «الخبراء» في الملفات الشخصية، و«القادة» في المنشورات، و«المؤهلين» على الورق، بينما تتزايد صعوبة العثور على من يستطيعون تحمل مسؤولية النتائج عندما تنتهي العروض التقديمية ويبدأ العمل الحقيقي.

فالخطر ليس أن الآلات ستعجز عن اكتشاف الكفاءة، بل أن نتوقف نحن عن البحث عنها، مكتفين بما تقوله السير الذاتية والمنشورات والشهادات عنها.