كيف أغير عاداتي وسلوكي وشخصيتي ؟ – يمكن للبشر التغير، ولكن فقط إذا تم تحقيق بعض الشروط الصعبة: كالوعي بالذات والإرادة القوية والصبر على العادات الجديدة. الشخصية تتشكل من خلال تفاعل : السلوك والطباع والبيئة.
التغيير ممكن، لكن تحقيقه صعب ويحتاج الكثير من الجهد والصبر. لكن ما معنى تغيير الشخصية؟
التغيير هو تعزيز مستمر لسلوكيات وأنماط تفكير جديدة.
يمكن أن تُغير شخصيتك أو سلوكك من خلال فهم عاداتك وسلوكك وصفاتك الشخصية.
قبل تغيير العادات والسلوك والشخصية، يجب أن نعرف في البداية، هل من الممكن أن يغير الناس مواقفهم ووجهات نظرهم؟
لأن القناعات الشخصية والمواقف هي منبع السلوك وأساس العادات وأهم ركائز الشخصية.
1. هل يمكن أن يغير الناس مواقفهم؟
تغيير موقفك من موضوع ما، أمر شائك جدا، فالناس لا يعرفون الأسباب العميقة وراء تبنيهم لتلك المواقف.
إذا كنت أحد طرفي النزاع بين نظامي آبل وأندرويد مثلا، فأنت ستكون قادرا على سرد عشرات الأسباب التي تجعلك تختار أحد النظامين.
لكنك في الحقيقة لا تعرف السبب الحقيقي وراء موقفك الذي تظن أنك تبنيته بكل موضوعية.
الناس يظنون أنهم اختاروا نظام آبل مثلا، لأنهم مبتكرون ويحبون الاختلاف والتميز، لكن قد يكون السبب الحقيقي ماليا بحتا.
كذلك قد يعتقد الذين يختارون نظام أندرويد أنهم يدعمون الأنظمة مفتوحة المصدر أو يحاربون الشركات الكبرى، لكن قد السبب الحقيقي إعجابهم بتصميم أحد الهواتف التي تعتمد نظام أندرويد.
لذلك لا يستطيع الناس تغيير مواقفهم فعلا، إلا عند معرفة أسباب تبنيهم لتلك المواقف في البداية.
الجبل الجليدي : أسرار وجهات النظر والمواقف
في فصل منطق المتعصبين في ملخص مهزلة العقل البشري يفسر علي الوردي لماذا لا يقتنع الناس بـ “الحجج المنطقية”.
فماهي الحجج المنطقية التي لا تستطيع تصديقها وترفض حتى الاستماع لها؟
يبدأ بناء شخصيتك وعاداتك من المواقف والأفكار والمعتقدات التي تؤمن بها، وهي وجه آخر للمواقف والأفكار والمعتقدات التي تكرهها.
حسب جمعية علم النفس الأمريكية، الموقف هو تقييم دائم وعام لشيء أو شخص أو قضية أو مجموعة أو مفهوم.
لذلك يمكنك على الأقل نظريا تغيير موقفك من شخص ما أو قضية ما أو شيء ما عندما تفهم كيف تكون هذا الموقف وكيف يؤثر على حياتك.

مثال تطبيقي
نقترح مثالين لفهم المواقف المتعلقة بالأسباب العميقة:
شخص يدافع عن التدخين
يدافع شخص ما عن التدخين، ويظن أن مخاطره مبالغ فيها وأن الكثيرين يعيشون عمرا طويلا رغم تدخينهم.
قد يكون السبب الحقيقي لدفاعه المستميت عن التدخين هو احترامه الشديد لأحد أقاربه، وقد كان مدمنا على السجائر.
فارتبط عنده التدخين بذلك القريب، وأصبح دفاعه عن التدخين دفاعا عن شخص أحبه كثيرا.
فإذا تحققت هذه الشروط:
- فهم كيف تكون الموقف: أي إذا اقتنع أن اعترافه بمضار التدخين ليس انتقاصا من قريبه المدخن
- فهم تأثير الموقف: أي إذا اعترف بمضار التدخين على حياته وحياة من يحبونه
سيستطيع تغيير موقفه.
شخص يرفض التبرع
يرفض شخص ما المشاركة في حملات التبرع وجمع المال لمساعدة المحتاجين لأنه يعتبرها نوعا من التحيل.
قد يكون السبب الحقيقي وراء رفضه لهذا النشاط هو شعوره بالحاجة في يوم من الأيام وامتناع الناس عن مساعدته.
فارتبط عنده شعور المرارة والغبن بنشاط جمع التبرعات.
يمكن لهذا الشخص المساهمة في التبرعات والأنشطة الاجتماعية مرة أخرى إذا:
- فهم كيف تكون الموقف: أي إذا اقتنع أن تجربته القديمة حالة فردية لا علاقة لها ببقية أنشطة جمع التبرعات
- فهم تأثير الموقف: أي إذا اعترف أن التبرعات تجعل المجتمع الذي يعيش فيه مكانا أفضل
بالطبع من الصعب جدا معرفة الأسباب الحقيقية وراء تبني المواقف والدفاع عن الأفكار.
فالناس في أغلب الأحيان يتبنون وجهات نظر ومواقف لأسباب شخصية أو اعتباطية، فقد يصدقون ادعاء شخص ما لأنه يتكلم بكلمات صعبة، أو لأن عطره جيد، أو بسبب نظاراته الطبية التي تجعله يبدو ذكيا الخ.
خلاصة: تغيير الشخصية والعادات والسلوك يبدأ بتغيير المواقف، وهذه الأخيرة تتغير عبر التثبت ومراجعة النفس والتفكير مليا في الأسباب العميقة لكل موقف.
2. هل يمكن أن يغير الناس عاداتهم؟
التغيير هو القاعدة الوحيدة التي يجب أن نتفق عليها في هذا الموضوع.
فالإنسان يتغير ويكتسب العادات الإيجابية والعادات السلبية كما يتخلى عنها طول حياته، بسبب التقدم في السن وتغير ظروفه الاقتصادية والأسرية الخ.
تتغير عادات الناس بتغير ظروفهم فالعالم المتغير الذي يحيط بهم من كل جانب يؤثر كبير الأثر فيهم من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون.
دراسة طويلة الأمد أُجريت في جامعة إلينوي (2019) على 1500 شخص لمدة 4 سنوات، أثبتت أن الشخصية يمكن أن تتغير بوعي متعمّد، لكن بشرطين:
- الوعي الدقيق بالسمة المراد تغييرها (مثل الانطواء أو الانفعال).
- الممارسة المتكررة للسلوك البديل في مواقف حقيقية، وليس مجرد التخيّل.
مثال: إذا كنت انطوائياً، فلا تهدف لتصبح “extrovert” بين ليلة وضحاها، بل ابدأ بـ مكالمة فيديو قصيرة أسبوعياً، ثم وجهاً لوجه مع زميل، ثم مجموعة صغيرة. الدماغ يُعيد تشكيل نفسه تدريجياً (ظاهرة الـ neuroplasticity).
3. كيف تتغير العادات؟ (الآلية العلمية)
العادة ليست مجرد سلوك متكرر، بل هي دائرة عصبية تُرسَّخ في الدماغ. وفقًا لدراسة نُشرت في Journal of Neuroscience (2012)، فإن العادة تتكوّن من ثلاثي ذهبي:
- المؤشر (Cue): المحفّز الخارجي أو الداخلي.
- الروتين (Routine): السلوك نفسه.
- المكافأة (Reward): الشعور بالرضا أو التخفيف من التوتر.
لتغيير عادة، لا تحارب السلوك مباشرة، بل استبدل الروتين مع الإبقاء على نفس المؤشر والمكافأة. مثال:
إذا كنت تتصفّح الهاتف عند الشعور بالملل (مؤشر)، فاستبدل الهروب لمواقع التواصل الاجتماعي بفتح تطبيق قراءة قصيرة (روتين جديد)، والمكافأة تبقى هي “الهروب من الملل”.
نموذج عملي: خطوات التغيير في 30 يوماً
اليوم 1-5: التحقق الذاتي
- اكتب يوميات السلوك (متى، أين، مع من، شعور قبل وبعد).
- استخدم تطبيقاً بسيطاً مثل Daylio أو Journey لتسجيل ملاحظاتك
اليوم 6-10: التصغير
- اجعل العادة الجديدة صغيرة جداً (دقيقتان للقراءة، تمرين رياضي قصير).
- حدّد زمانا ومكانا ثابتين (بعد الفطور مباشرة، على الشرفة).
اليوم 11-20: التكديس
- ألصق العادة الجديدة بعادة قائمة (بعد التسبيح مباشرة، أقرأ صفحة).
- استخدم سلسلة التغيير (لا تكسرها حتى لو كانت دقيقة واحدة فقط).
اليوم 21-30: المكافأة الذكية
- اربط العادة بمكافأة متأخرة (بعد 7 أيام متتالية، تستحق مشروبك المفضل).
- شارك تقدمك مع شخص موثوق (ظاهرة “الرقابة الاجتماعية” ترفع معدل الالتزام بـ 42% حسب دراسة American Society of Training and Development).
مصادر مفيدة
- Duhigg, C. (2012). The Power of Habit. Random House.
- Wood, W., & Neal, D. T. (2016). “Healthy through habit: Interventions for initiating & maintaining health behavior change”. Behavioral Science & Policy, 2(1), 53-65.
- Roberts, B. W., & Mroczek, D. (2008). “Personality trait change in adulthood”. Current Directions in Psychological Science, 17(1), 31-35.
- Lally, P., Van Jaarsveld, C., Potts, H., & Wardle, J. (2010). “How habits are formed: Modelling habit formation in the real world”. European Journal of Social Psychology, 40(6), 998-1009.
- APA Dictionary: “Attitude” (2022). American Psychological Association.




